أبي منصور الماتريدي

32

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وعلى ذلك في الصبى والكافر لم يدخلا في معنى الآية ، ولا كانا يحتملان في حال قضاء فرض الصيام ، فالقضاء في غيره عن ذلك لا يعمل في حق الفرض . لذلك لم يلزم . وقد روى عن محمد « 1 » ، رحمه الله ، على هذا : أن من أدرك مجنونا ثم أفاق في بعض الشهر ، أنه لا يقضى ما مضى ، على ما ذكرت . وعن أبي حنيفة - رضى اللّه تعالى عنه - : أنه يقضى ، إن كان في أول الشهر بالغا ، لما أخبرت أن صيامه لم يجز لعدم النية ، والصبى والكافر بنفسه ، ومن فوته لعدم النية ، فهو داخل في حكم فرضه ، فعليه القضاء . والله الموفق . ومن جن الشهر كله لا يقضى لشرط الشهود ، وهو لم يشهد شيئا منه مع إمكان الإسقاط بدليل آخر ، وإن كان حق الخطاب في الظاهر قد اقتضاه على مثل المريض الذي لا يصح ، والمسافر الذي لا يقيم . والله الموفق . وفي قوله : أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ ، دلالة أن ابتداء الآية في غير صوم الشهر ؛ إذ صوم الشهر يحفظ بالأهلة لا بالأيام ، لكن الله تعالى إذ علم الأمر الظاهر في الخلق أنهم يعدونه بالأيام وإن كان لهم عن ذلك غنى . وقد روى عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « الشهر هكذا وهكذا وهكذا بأصابع يديه كلتيهما ، وعقد إصبعا منها في آخر المرات » « 2 » . وجاء عن غير واحد أنهم قالوا : « ما كنا نصوم على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تسعة وعشرين أكثر مما نصوم ثلاثين » « 3 » . فجائز ذكر قوله : أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ ، يعنى يعدها الخلق . والله الموفق .

--> - ينظر : المجموع ( 6 / 258 ) ، تبيين الحقائق ( 1 / 216 ) ، الدر المختار ورد المحتار ( 1 / 527 ) . ( 1 ) هو محمد بن الحسن بن فرقد . نسبته إلى بنى شيبان بالولاء . أصله من ( حرستا ) من قرى دمشق ، منها قدم أبوه العراق ، فولد له محمد بواسط سنة 131 ه ، ونشأ بالكوفة . إمام في الفقه والأصول ، ثاني أصحاب أبي حنيفة بعد أبي يوسف . من المجتهدين المنتسبين . هو الذي نشر علم أبي حنيفة بتصانيفه الكثيرة ، مات محمد بالري سنة 189 ه . من تصانيفه : الجامع الكبير ، والجامع الصغير ، والمبسوط ، والسير الكبير ، والسير الصغير ، والزيادات . وهذه كلها التي تسمى عند الحنفية كتب ظاهر الرواية وله كتاب الآثار . ينظر : الفوائد البهية ص ( 163 ) ، والبداية والنهاية ( 10 / 202 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 4 / 614 ) كتاب الصوم ، باب الصوم لمن خاف على نفسه العزوبة ( 1908 ) ، ومسلم ( 12 ، 15 ، 16 / 1080 ) من طرق كثيرة عن عبد الله بن عمر . ( 3 ) أخرجه أحمد ( 1 / 97 ، 405 ، 408 ) ، وأبو داود ( 1 / 710 ) كتاب الصيام ، باب الشهر يكون تسعا وعشرين ( 2322 ) ، والترمذي ( 2 / 68 ) كتاب الصوم ، باب ما جاء أن الشهر يكون تسعا وعشرين ( 689 ) . وابن خزيمة ( 1922 ) ، والبيهقي ( 4 / 250 ) .